مفاهيم: المبحث الثالث حقيقـة الشـعوب واللغـات السامـية (7)

مفاهيم: المبحث الثالث حقيقـة الشـعوب واللغـات السامـية (7)
    مصطفى إنشاصي

هذا بحث كنت نشرت منه بعض الحلاقات سابقاً بدون إعادة صياغة وتوثيق، وقد أعدت صياغته وانتهيت منه قبل أسبوع ومازال يحتاج إلى إعادة قراءة وتعديل، وقد قدمته لبعض أساتذة الجامعة

في تخصصات متعددة في العلوم الإنسانية أصدقاء لوضع ملاحظاتهم عليه، وسأنشر ما لم ينشر منه سابقاً، وبعض ما نشر بعد إعادة الصياغة والتوثيق أيضاً منتظراً إضافات أو تعديلات من

القراء.

1ـ علماء الآثار وحقيقة الشعوب واللغات السامية.

أوضحنا سابقاً أن كتبة التوراة اختلقوا القصة السابق ذكرها عن سيدنا نوح عليه السلام ليحرموا مَنْ زعموا أنه (كنعان ابن حام) من الحق في مشاركة من زعموا أنهم أبناء (سام بن نوح) في

البركة، جعلوا أصل جميع أجناس الأرض بعد الطوفان هم أبناء سيدنا نوح عليه السلام، دون ذكر للقلة التي آمنت معه من قومه وركبوا معه السفينة، وقصروا ركاب السفينة على نوح وأبنائه

وزوجاتهم! أن علماء الأجناس والتاريخ والآثار وصنفوا الأصول العرقية للبشر على النحو التالي: (سام) الأب الأعلى للعرب واليهود. و(حام) الأب الأعلى للزنوج والأفارقة، و(يافث) الأب الأعلى

للأوربيين والأجناس الأخرى؟. علماً أن أولئك العلماء وإلى حد بعيد التوراة نفسها تتناقض آرائهم مع ذلك التقسيم عندما يعتبروا القبائل العربية التي سكنت فلسطين (الكنعانيون حسب نسبتهم في

التوراة إلى كنعان بن حام) قبائل عربية تنسب إلى (الساميين بحسب أيضاً أجناس التوراة)؟!.

ولأن تلك القصة مختلقة وكاذبة ولا دليل على صحتها إلا ما جاء في كتاب اليهود التوراة، الذي لا يمكن بأي حال أن يُعتبر كتاب دين سماوي ولا مصدر تاريخي موثوق يمكن الاستدلال بما جاء

فيه؛ يجب علينا استبدال تلك المصطلحات والأسماء والمفاهيم التي أصبحت مسلمات وحقائق تاريخية وعرقية وعلمية عالمية بأسماء عربية، وخاصة التي تشير إلى مفاهيم دينية وتاريخية

وأهداف ومصالح يهودية ـ غربية في وطننا، في الوقت الذي لا يوجد فيه عليها أي دليل علمي إلا ما جاء في التوراة عن تاريخ أنساب الأجناس البشرية بعد الطوفان.

فقد درج البُاحثة والعلماء الغربيين الذين كما نعلم أسسوا علم الآثار من أجل تأكيد صحة ما جاء من خرافات وأساطير في التوراة اليهودية، ولتتبع رحلتي سيدنا إبراهيم وموسى على الأخص،

لإثبات حق اليهود المزعوم في وطننا من الفرات إلى النيل، وأن فلسطين هي (أرض الميعاد) لليهود لإقامة (الدولة الموعودة) لهم فيها، لتحقيق أهداف أخرى ضد الأمة والوطن ليست موضوعنا،

وتبعهم بالنقل والنسخ دون مراجعة أو تدقيق أو تمحيص لآرائهم وكتاباتهم وهم يدسون السُم في العسل معظم الكتاب العرب. وقد درج علماء الغرب على تسمية الشعوب التي تُنسب إلى جزيرة

العرب أو التي تتشارك في اللغة والأفكار والعقائد من سكان العراق وبلاد الشام ووادي النيل ودوله بـ(الشعوب السامية)، وهي تسمية حديثة وضعها مستشرق نمساوي (شلوتزر ولهلم) سنة

1781م نسبة إلى (سام بن نوح)، الذي ذكر سفر التكوين من ذريته أقواماً عاشوا في جزيرة العرب والأقطار المجاورة لها كـ(الكنعانيين) والآراميين والسبئيين والكوشيين والمصريين …الخ،

بعد أن لاحظ أوجه التشابه الظاهرة بين لغاتها وأفكارها وعقائدها

يقول الدكتور (عبد ا لواحد وافي) “يطلق الآن لقب (الساميين) على الشعوب الآرامية والفينيقية والعبرية واليمنية والبابلية والآشورية، وما انحدر من هذه الشعوب. وأول من استخدم (شلوتزر) في

أواخر القرن الثامن عشر، وقد ورثه مما اقتبسه من سفر التكوين بعدد أولاد نوح الثلاثة (سام وحام ويافث) والشعوب التي انحدرت من كل ولد منهم … وعلى هذا الأساس عد سفر التكوين

الفينيقية من الشعوب الحامية مع أنهم من أخلص السامية نسباً وأقربهم رحماً إلى العربية)[1].

كما أسس علماء الغرب علم جديد أطلقوا عليه اسم (اللغات السامية أو لغات الشعوب السامية) وبدؤوا يؤسسوا لذلك العلم من أجل تحقيق نفس أهداف علم الآثار الذي أسسوه سابقاً، واللغات (

السامية) تطلق على لغات القبائل العربية التي سكنت الجزيرة العربية منذ فجر وما قبل فجر التاريخ، وسموها (الساميون)، وقد تحدثت تلك القبائل لغة انحدرت من أصل واحد، وهي لغة غنية

بمفرداتها وآثارها الأدبية، وقد تشعبت إلى فروع ولهجات يمكن تقسيمها إلى كتلتين: شرقية وأهم فروعها اللغة الآكدية ومنها البابلية والأشورية، ثم اللغات العربية الجنوبية كالحميرية والمعينية

والسبئية والحبشية. أما الكتلة الغربية فهي الأمورية والكنعانية والفينيقية والعبرية والعربية الشمالية (الحجازية).[2]. ”

وهناك تقسيم أكثر تفصيلاً ذكره الدكتور(شوقي ضيف) في سلسلة “تاريخ الأدب العربي”، حيث يقول: “وقد قسمها علماء اللغات إلى شمالية وجنوبية، وقسموا الشمالية إلى شرقية، وغربية، أما

الشرقية البابلية والآشورية، وأما الغربية (لغة نقوش رأس شمرا) والكنعانية والآرامية، وقسموا الجنوبية إلى عربية شمالية، وهي الفصحى، وعربية جنوبية وهي لغة بلاد اليمن وما والاها في

الزمن القديم”[3].

وبعد أن أشبعوا تلك اللغات دراسة وتصنيف وتقسيم انتهوا إلى نتيجة هي الأكثر خباثة وأشد خطورة؛ من أجل إثبات زعم اليهود في نسبتهم إلى مَنْ زعمت التوراة أنه (سام بن نوح)، ليثبتوا صحة

تلك الخرافة التي بدأنا حديثنا عنها، وهي: “وحدة الجنس العربي”، وحتى لا يفهم البعض موقفي خطأ هنا؛ أوضح أني لست ضد النظرية، ولكني ضد المقدمات والحيثيات التي اعتمدوا عليها ليثبتوا

صحة ذلك، وطريقة التحليل والنتائج التي وصلوا إليها ولها علاقة بمحاولة إثبات صحة تلك الخرافات والأساطير التوراتية التي اختزلت كل حق وكل ما هو إنساني في (ذرية سام بن نوح) من دون

بقية إخوته وذريتهم، وفي اليهود فقط من ذرية (سام بن نوح). ويجمل الدكتور (محمد خليفة حسن) آراء علماء تاريخ (الشعوب السامية) الغربيين الذين قالوا بوحدة الجنس العربي في الآتي:

أنه قبل أن تتكون الشعوب (السامية) كان لها أصل واحد منه تفرعت، ألا وهو الأصل العربي أو الجنس العربي، ونفس النظرية تنطبق على نشأة لغات الشعوب (السامية)، فقبل أن تتطور تلك

اللغات كان لها أصل لغوي واحد تفرعت عنه، ألا وهو الأصل اللغوي العربي، ممثلاً في اللغة العربية التي كانت بلا شك اللغة (السامية) الأم! كما كان الشعب العربي هو الشعب (السامي) الأم لكل

الشعوب (السامية)[4]. بناء على ذلك خلصوا إلى نتيجة أخرى خاصة بأصل ما يسمى (اللغات السامية)، وهي: “إن رجوع هذه اللغات (السامية) جميعها إلى فصيلة واحدة ليحمل على أن الأمم

الناطقة بها ترجع كذلك إلى أصل واحد وإنها قبل تفرقها كانت تؤلف وحدة شعبية”[5]. كما يقول الدكتور (صبحي الصالح) نقلاً عن المؤرخ اليهودي الصهيوني (إسرائيل ولفنسون): “يبدو أن اللغات

السامية قبل تفرقها كانت ترجع إلى أصل واحد، وتشكل شبه وحدة شعبية، إلا أن من العسير جداً تعيين ذاك الأصل الواحد وتحديد هذه الوحدة”[6]. وهذا القول كغيره مما قال به علماء ما يسمى (

تاريخ الشعوب السامية) الغربيين إنما هو إعادة إنتاج لخرافات التوراة وتقديمها في ثوب علمي زائف وخادع لمحاولة إثبات صحتها! وما قالوه هو مضمون ما جاء في التوراة: “وَكَانَتِ \لأَرْضُ

كُلُّهَا لِسَاناً وَ\حِداً وَلُغَةً وَ\حِدَةً. … وَقَالَ \لرَّبُّ: «هُوَذَا شَعْبٌ وَ\حِدٌ وَلِسَانٌ وَ\حِدٌ لِجَمِيعِهِمْ وَهَذَا \بْتِدَاؤُهُمْ بِالْعَمَلِ. وَ\لْآنَ لاَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ كُلُّ مَا يَنْوُونَ أَنْ يَعْمَلُوهُ. هَلُمَّ نَنْزِلْ وَنُبَلْبِلْ هُنَاكَ لِسَانَهُمْ حَتَّى

لاَ يَسْمَعَ بَعْضُهُمْ لِسَانَ بَعْضٍ». فَبَدَّدَهُمُ \لرَّبُّ مِنْ هُنَاكَ عَلَى وَجْهِ كُلِّ \لأَرْضِ”. (سفر التكوين: 11/1ـ10).

ولكن الدكتور (شوقي ضيف) في سلسلة “تاريخ الأدب العربي” يتحفظ على تلك النتيجة الخبيثة التي توصل لها علماء ما يسمى (اللغات السامية)، فيقول: “(الساميون(: كلمة تطلق على مجموعة

من الشعوب في الشرق الأوسط، دلت القرابة على لغاتها أنها كانت من الأصل تتكلم بلهجات متقاربة، تطورت إلى لغات سميت جميعاً باسم (السامية)، أخذاً من اسم (سام بن نوح) الذي ورد ذكره

في التوراة، وهي تسمية اصطلاحية، فليس هناك أمة تسمى بالأمة (السامية)، إنما هناك صلات لغوية بين طائفة من اللغات، تدل على أنها ترجع إلى أصل واحد”[7]. 

وعلى الرغم من إجماع علماء (تاريخ الشعوب السامية) الغربيين الذين قالوا بوحدة الجنس العربي على أن الأمم الناطقة باللغات (السامية) قبل تفرقها كانت تؤلف وحدة شعبية واحدة، هي الشعب

العربي، إلا أنهم اختلفوا حول الموطن الأول لذلك الشعب، كما اختلفوا حول اللغة الأولى التي كان يتكلمها (الشعب السامي) أيام إن كان أبناؤه مجتمعين في موطن. وقد كان أحبار اليهود في

العصور القديمة يعتقدون أن العبرية هي أقدم لغة إنسانية، وانتشر هذا الرأي عند كثير من الباحثين حتى بعض العرب أنفسهم ذهبوا إليه. وذهب بعضهم إلى أن الآشورية والبابلية هي أقدم لغات (

السامية)، وذهب طائفة من المحدثين وعلى رأسهم العلامة (أولهوزن) إلى أن اللغة العربية هي أقرب اللغات (السامية) إلى اللغة (السامية) الأولى[8].  

ولأن إعادة إنتاج تلك الخرافات والصياغات الركيكة في التوراة عن الأصل الواحد في ثوب العلم والعلمية؛ تمهيداً للوصول إلى نتيجة شبه حتمية تؤكد صحة الأسطورة التوراتية وحق اليهود فيها،

فإن الأمر لم يقف عند ذلك؛ ولكنهم أضافوا: ولوضوح الشبه بين أفراد هذه الفصيلة فطن الباحثون منذ عصور سحيقة إلى صلات القرابة التي تربطها بعضها ببعض، فتشابه اللغتين العربية

والآرامية قد بلغ درجة لا تخفى معها قرابتهما حتى على أقل الناس إلماماً بهذه الشؤون. لذلك كثير من قدامى الباحثين أشار إلى انتمائهما إلى فصيلة واحدة، وتشابه اللغتين العبرية والعربية، قد

ظهر في القرن العاشر الميلادي، ففي هذا القرن أدرك كثير من علماء اليهود وجوه القرابة بين هاتين اللغتين[9]. ما يعني أن اللغة العبرية التي يتكلم بها اليهود الآن لغة موجودة منذ ما قبل فجر

التاريخ، ومن أقدم اللغات التي عرفها الإنسان، وهي صنو اللغة العربية، وهي أقرب اللغات بعد اللغة العربية إلى اللغة (السامية الأولى)؟!! وغالباً ما يسوق بعض العلماء أو الناقلين العرب

والمسلمين للعلوم والمعارف عن الغرب واليهود دون تدقيق أو تمحيص، مثلاً ذكره المؤرخ اليهودي الصهيوني (إسرائيل ولفنسون) ليؤكدوا على صحة ذلك، وهو:

اختلاف العلماء في معنى كلمة عبري، مَنْ قال أنها لقب كان لإبراهيم الخليل بعد أن عبر النهر، وسمي أحفاده بعده بالعبرانيين، ومن قائل إنها نسبة إبراهيم إلى أحد أجداده الذي جاء في سفر

التكوين باسم عابر، ولكن الأقرب إلى المعقول كما يقول (محمد الأنطاكي)، ما ذهب له (إسرائيل ولفنسون) من أن الكلمة كما يدل عليها اشتقاقها في اللسانين العبري والعربي تدل على الرحلة

والتنقل. وأنه لما استوطن العبرانيين (يقصد أحفاد إبراهيم) نسبة إلى عبور النهر أو الصحراء أرض (كنعان) وعرفوا المدنية والحضارة صاروا يُعرفون باسم بني إسرائيل فقط. ثم بعد ذلك ذاب بنو

إسرائيل وامتزجوا كالعماليق والمؤابيين والمدينيين وغيرهم في إخوانهم الآراميين[10]. ويتساءل ولفنسون بعد ذلك مندهشاً ومستهجناً ليخلص إلى نفس النتيجة التي قررتها الخرافة التوراتية

السابق ذكرها، ويجعل من اللغة العبرية أصلاً: “كيف يُعقل أن تكون (الكنعانية) أًصلاً والعبرية فرعاً في حين أن (الكنعانيين) والعبريين والآراميين إنما هم فروع لأصل واحد مشترك بينهم جميعاً

ولا يمكن أن يقال: إن هذه اللغة متفرعة عن الأخرى استناداً إلى قوة الشبه بينها إلا إذا ثبت بأدلة أخرى أن العبرانيين قد اقتبسوا لغتهم العبرية من اللغة (الكنعانية)، وأما شدة القرب بين اللغتين

فلا يمكن إلا أن تدل على شيء واحد وهو أن اللغتين في الأصل لغة واحدة”[11].

يعلق الدكتور (عبد المسيح جورج متري) على محاولات ولفنسون قلب الحقائق وتزوير التاريخ: “حاول أن يقلب الأمور ويعكسها، أن يجعل الربيب أصلاً من المربي فرعاً أو أخاً، إن التعاطف قد

يعمي الباحث العلمي عن الحقيقة ويغدو الباحث لا علمياً في حين يدعي أنه يبحث بعلمية ومنهجية ولكن عين الرضا هي التي لا يبصرون بها إلا محاسن اليهود”[12].

يريد أن يقول (إسرائيل ولفنسون) وأنصار نظرية (الجنس العربي الواحد)، وعلماء ما يسمى (اللغات السامية) أنه وبعد أن انقرضت جميع تلك اللغات (السامية) الأخرى ولم تعد لغات حية، ولم يبقَ

منها إلا اللغة العربية الثابت قطعاً أنها استمرار للغة الأولى لجميع تلك الشعوب، وبحكم أن اللغة العبرية الحالية هي الأقرب إلى اللغة العربية ـ بحسب زعمهم ـ فإن ذلك يعني صحة انتساب

اليهود الحاليين الذين يتكلمون اللغة العبرية إلى مَنْ يزعمون أنه (سام بن نوح)، وأنه من حق يهود الخزر المتهودون في القرن الثامن الميلادي، الذين لا يمتون بأي صلة عرقية للعرب ولبني

إسرائيل الأوائل، الذين يزعمون أنهم هم أحفاد بني إسرائيل الذين كانوا مع موسى، ووعدهم الرب بفلسطين (أرض الميعاد)! وأنهم أبناء عمومة العرب الذين يسكنون الأرض من الفرات إلى النيل!

وعلى ذلك تكون الخرافة التي زعمتها التوراة عن سيدنا نوح وأصل الأجناس البشرية صحيحة، وهي صحيحة بدون ذلك عند النصارى الذين يؤمنون بالتوراة على أنها (العهد القديم)، وأنها وحي

ومنزلة من الله على سيدنا موسى، أنه (سام بن نوح)! كما أن خرافة التوراة عن مباركة الله لـ(سام بن نوح) وذريته وحرمان (كنعان بن حام) بسبب خطيئة أبيه صحيحة أيضاً.

تلك المزاعم بدعوى النظريات العلمية والدراسات المنهجية تحتاج منا إلى كشف زيفها وكذبها حتى لا يبقَ مخدوعاً بها كثير من أبناء وطننا:

2ـ العبرية الحالية ليست العبرية القديمة لغة (الكنعانيين)؟!

يزعم علماء ما يسمى بـ(اللغات السامية): أن اللغة العبرية التي يتحدث بها اليهود الآن هي نفسها اللغة العبرية القديمة، على الرغم من علمهم أن اللغة العبرية الآن ليست هي نفسها اللغة

العبرية القديمة! فقد شكك العلماء المنصفين والموضوعيين والمستقلين في إن اللغة العبرية الحالية التي يتكلم بها اليهود الخزر المتهودون هي نفسها اللغة العبرية القديمة، فالمعلوم أنه هناك

شعوب كثيرة غير بني إسرائيل قد اعتنقت اليهودية، وأكبرها القبائل الخزرية التي يؤكد (بنيامين فريدمان): أنها تشكل ما “لا يقل عن 92% من جميع مَنْ يزعمون أنفسهم (يهود) في العالم اليوم،

ينحدرون مِمَنْ عُرفوا بـ(يهود) السلالة الخزرية تاريخياً … [و]  أن الـ8% المتبقية مِمَنْ يزعمون أنفسهم (يهوداً) يتحدرون من السكان الوثنيين البدو القدامى في إفريقيا وآسيا وحوض البحر

الأبيض المتوسط”[13]. وقد أصبح معلوماً أن تلك الشعوب كما دخلوا في اليهودية عقائدياً فإنهم أدخلوا معهم إلى اللغة العبرية الأولى كثير من مفردات لغاتهم، ولم تعد اللغة العبرية الحالية هي

نفسها اللغة العبرية القديمة.

يقول الدكتور (صبحي الصالح): واللسان العبري شديد الشبه باللسان (الكنعاني). ووجوه الشبه بين العبري والعربي عديدة … وأما عبرية اليهود الآن التي أصبحت لغة الآداب اليهودية المستحدثة

فتختلف اختلافاً بيناً عن العبرية القديمة[14]. ويرجعها الدكتور عبد الواحد وافي إلى أنها: مزيج بين العبرية والعربية واللغات الأوروبية الحديثة، التي كتبها عدد كبير من علماء اليهود والمنتمين

إلى مختلف الشعوب الناطقة بشتى اللغات، ومنهم اليهود الألمان والإنجليز والفرنسيين والعرب[15].

وكذلك يعلم ويتجاهل أولئك العلماء المختصون فيما يسمونه (اللغات السامية) أن اللغة العبرية القديمة هي في الأصل اللغة القديمة للقبائل العربية (الكنعانية) التي سكنت فلسطين قبل مجيء يني

إسرائيل إليها نحو 1200 ق. م، وقد استعارها منهم بنو إسرائيل بعد قدومهم لفلسطين، وأصبحت لغتهم بعد ذلك. استعاروها منهم بنو إسرائيل وليس كما قال بعض المستشرقين ونقله عنهم

بعض المختصين العرب فيما يسمى (اللغات السامية) بـ(نظرية الصراع اللغوي)، وأنه كان يحدث صراع دامي بين اللغات كما كان يحدث بين القبائل ينتهي بالقضاء المبرم والهزيمة المنكرة

والساحقة للغة على أخرى، وأن لغة بني إسرائيل، اللغة العبرية، قد دخلت في صراع مع اللغة (الكنعانية)، وقد كُتب لها النصر في نهاية المطاف وقضت وسحقت اللغة (الكنعانية)، كما قال بذلك

الدكتور (عبد الواحد وافي)، الذي اعتبر اللغة العبرية أقوى اللغات الكنعانية وليست اللغة الكنعانية نفسها، حيث قال: “تُعد اللغة العبرية أهم اللهجات (الكنعانية) على الإطلاق”. وأضاف: “أن اللغة

الأصلية لبني إسرائيل قد اشتبكت مع اللسان الكنعاني في صراع انتهى بتغلبها عليها وفقاً لقوانين الصراع اللغوي”[16]. ولم يقف الأمر عند قضاء اللغة العبرية على اللغة الكنعانية فقط، ولكنها

دخلت في صراع مع جميع لغات السكان الأصليين وانتصرت عليها، حيث يضيف في (صفحة 57): “واشتبكت لغتهم ـ يقصد العبرية لغة بني إسرائيل ـ مع لغات السكان الأصليين وكُتب لها

النصر عليها وفقاً لقانون الصراع اللغوي”. ذلك في الوقت الذي يناقض فيه نفسه بنفسه عندما كتب في (صفحة 43) أن اللغة الآرامية قد قضت على اللغة العبرية: “ولم يأتِ القرن الأول من

الميلاد حتى كانت الآرامية قد قضت على الفينيقية وأختها العبرية وكما قضت بعدها على الأكادية”؟!! يكتب ذلك وهو نفسه أقر بقوة ومدى اتساع وانتشار اللغة الفينيقية (الكنعانية)، وتأثيرها في

لغات العالم المختلفة في نفس كتابه في (الصفحة 36 ـ 37): “ومن الرسم الفينيقي أشتق كذلك الرسم الآرامي”!. وهو يعلم أن “اللغة الآرامية مأخوذة عن لغات البلاد التي أقام فيها الآراميون،

وكذلك الكتابة الآرامية بدأت بحروف مسمارية وبلغة آشورية وغيرها، إلا أن الآراميون أخيراً اقتبسوا الأبجدية الفينيقية المكونة من 22 حرفاً والتي ظهرت في نهاية الألف الثاني على وجه

التقريب. وقد أضاف الآراميون إلى تلك الأبجدية الحروف الآتية وهي الألف والواو والياء[17]. فكيف تكون في هذه الحال قضت اللغة الآرامية على اللغة الفينيقية وغيرها وهي امتداد وتطور

طبيعي لتلك اللغات؟!!.

أمثال تلك التناقضات التي كانت تواجهني أثناء قراءاتي وسعيّ لبناء نفسي فكرياً في سبعينيات القرن الماضي، وشعرت أنها منهج شائع عند الكتاب والمؤرخين والمختصين العرب، الذين أسسوا

وأصلوا لموسوعة ومنظومة العلوم الإنسانية عندنا، لأن كثير منهم لغى عقله وكان ينسخ وينقل دون مناقشة أو مراجعة أو تمحيص ولا عرض ذلك على كتابه (القرآن الكريم) أصدق الكتب الذي

لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وإلا كان اكتشف أخطاء وتناقضات كثيرة ينقلها ويجعل منها مسلمات علمية وتاريخية لأجيال أمته وهو لا يعلم، وذلك ما دعاني في ثمانينات القرن

الماضي إلى كتابة هذه الأبحاث محاولاً تقديم رؤية إسلامية وعربية لتاريخنا.

وإن كنت لا أستغرب ذلك من علماء الغرب المتأثرين بالتوراة، إلا أني أستغربه وأدهش منه عندما أسمعه من عربي أو مسلم! خاصة وأن توراة اليهود نفسها تعترف بمدي قوة اللسان واللغة (

الكنعانية)، ومدى اتساع اللسان (الكنعاني) في بلاد غير بلاد (كنعان)، فقد جاء في (سفر إشعيا: 19-18): “في ذلك اليوم يكون في أرض مصر خمس مدن تتكلم بلغة (كنعان) وتحلف لرب الجنود

يقال لإحداها مدينة الشمس”. وذلك دليل مدى التأثير (الكنعاني) على عقيدة وثقافة بني إسرائيل.

ولا أعلم كيف تكون اللغة العبرية لغة بني إسرائيل قد انتصرت على اللغة (الكنعانية) في الوقت الذي يُقرر ويؤكد فيه كبار العلماء والمؤرخين فراغ العقلية اليهودية من أي نظام حضاري أو ثقافي

أو اجتماعي. وفي وقت أكد فيه المؤرخ الأمريكي الشهير (جيمس هنري بريستد): أن اللغة الآرامية “كانت اللغة التي يستخدمها يهود فلسطين في جميع البلاد التي تفرقوا فيها بعد سبي بابل، وبعد

استقرارهم في كثير من البلاد في عهد الفرس…[18]. أي أن اللغة العبرية لم تعد لغة حية ولم تصمد أمام قوة وتأثير اللغات الأخرى كما يزعم المستشرقون ومَنْ نقل عنهم. كما أن بريستد

يُرجع كل تقدم حققه اليهود في فلسطين إلى اختلاطهم بـ(الكنعانيين)، حيث يقول: “وقد أحدث اختلاط الطرفين تغيرات جوهرية في حياة العبرانيين”. أما المؤرخ الفرنسي الكبير (غوستاف لوبن)

يرى أنه: “لا يستحق اليهود بأي وجه أن يكونوا من الأمم المتمدنة”. ويضيف: “إن تأثير اليهود في الحضارة العالمية كان صفراً”. أما” جورج سارتون” أستاذ تاريخ العلوم في جامعة هارفرد

الأمريكية، يرى أن اليهود مدينين إلى سكان المنطقة فيما أخذوا عنها فيقول: “ولكننا نحن اليوم نعلم أن اليونان واليهود أنفسهم مدينون بذلك كله للمصريين والبابليين وربما لغيرهم أيضا من الأمم

التي تقدمتهم”[19]. ويقول (شفيق مقار) عن نقل اليهود لثقافات ومعارف الشعوب السابقة ونسبتها إلى أنفسهم: إنه نوع من السطو الحضاري مارسه المحررون والمؤلفون بشكل لحوح في

صوغهم للتاريخ وصنعتهم للمعبود وتجميعهم للكتاب وإرسائهم لأسس الديانة اليهودية. ذلك النوع من السطو فريد في نوعه، حقيقة أن كل ثقافات الشعوب تأثرت ببعضها وأثرت في بعضها

وتفاعلت فيما بينها في كل العصور إلا أن حالة مؤلفي الديانة اليهودية تظل حالة فريدة لا قرين لها ولا مثيل لها في أي عصر وأي حضارة. ويتمثل ذلك التفرد من أن الأخذ كان وظل بغير

عطاء”[20].

وإن كان القول بـ(نظرية الصراع اللغوي) مستنكرة عند السواد الأعظم من علماء اللغة بصفة عامة، لأن اللغة تؤثر وتتأثر بنسب متفاوتة باللغات الأخرى، ويعتبر ذلك جزء من التمازج والتلاقي

والتلاقح والتأثير الثقافي المتبادل بين الشعوب وثقافاتها، وليس صراعاً ومعارك كالمعارك العسكرية التي تدور بين شعوب وقبائل تلك اللغات، إلا أنه في حال اللغة العبرية و(الكنعانية) تعتبر

تزييف وتحريف للحقائق التاريخية الثابتة، ومحاولة خبيثة للقول بالتفوق النوعي للغة العبرية لغة اليهود اليوم، كما هو التفوق النوعي والعرقي لليهود كـ(شعب مختار)، وذلك جزء من محاولة

التأكيد على صحة تلك القصة الخرافية في سفر التكوين عن تقسيم الجنس البشري موضوع حديثنا، ذلك لأن اللغة العبرية القديمة التي تحدث بها بنو إسرائيل وكتبوا بها توراتهم هي نفسها اللغة (

الكنعانية) التي زعموا أنها هُزمت أمام اللغة العبرية!!.

وللرد على مزاعم أنصار (نظرية الصراع اللغوي)، و(إسرائيل ولفنسون) وأنصاره من علماء ما يسمى (اللغات السامية)، نقدم هذه الأدلة:

يقول الدكتور (عبد الحميد زايد): أنه كما تَعلم بنو إسرائيل من (الكنعانيين) حراثة الأرض وزراعتها تعلموا أيضاً “بناء المنازل والقراءة والكتابة، وترك العبرانيون اللهجة “(السامية) القديمة

واتخذوا اللغة (الكنعانية) الفينيقية لغة لهم. ولم تختلف اللغة الفينيقية واللغة العبرانية القديمة التي كُتب بها العهد القديم إلا من ناحية اللهجة…”[21]. ويقرر الدكتور (أنيس فريحة) أن اليهود

استخدموا اللغة واللسان الكنعاني بديلاً من لغتهم، وقد تعلموا الكتابة الألفبائية التي مكنتهم من كتابة العهد القديم، فيقول: “إن كثير من عناصر الحضارة الكنعانية حتى اللسان الكنعاني الذي أصبح

لغة اليهود الرسمية أصبحت جزءً لا يتجزأ من الحضارة اليهودية رغم عدائها لها”[22].

أما الدكتور (أحمد سوسة) ـ الذي كان يهودياً وأسلم ـ فيقول: “ومن الثابت أن سكان فلسطين الأصليين القدماء كلهم كانوا عرباً هاجروا من جزيرة العرب إثر الجفاف الذي حل بها، فعاشوا في

وطنهم (كنعان) أكثر من ألفي عام قبل ظهور النبي موسى وأتباعه على مسرح التاريخ، وقد أخذ الموسويون بعد ظهورهم في أرض (كنعان) بلغة (الكنعانيين) وثقافتهم وحضارتهم وتقاليدهم، هذه

حقيقة تاريخية ثابتة أيدتها المكتشفات الأثرية الأخيرة وأخذها العلماء بالإجماع تقريباً”[23].

ويلخص (أندريه نهر) مدى تأثر اليهود بالثقافة والحضارة (الكنعانية)، بقوله: إن “تعقد الشعائر الدينية في الحياة الزراعية الإسرائيلية ليست في نظر المؤرخين سوى نسخة من التنظيم الثقافي (

الكنعاني)، أخذ به العبرانيون أنفسهم بالتدريج بعد استقرارهم في (كنعان)”[24]. كل ذلك تؤكده عالمة الآثار البريطانية (كاثلين كينون): “يجب أن نقرر أن المجموعات الإسرائيلية التي كانت تصل

أصلاً من البدو الرحل. الذين استعاروا لدى استقرارهم أدوات أسلافهم في هذه الأرض (فلسطين). وأن الثقافة الفلسطينية كانت أساساً كنعانية”[25].

وعن نقل اليهود عن (الكنعانيين) يقول الأستاذ وترمان: “وهكذا فإن بني إسرائيل وجدوا شرائع معقدة ومهيأة فعملوا بها في مسيرة حياتهم في كنعان. ثم يضيف مؤكداً أن التحقيقات الأركيولوجية

التي يمكن أن تزودنا بمعلومات في هذه الناحية لا تعترف بوجود أي فاصل ثقافي بين الكنعانية واليهودية[26].

أما (غوستاف لوبون) في كتابه “اليهود في التاريخ”  فيرى أن اليهود في الوقت الذي أخذوا فيه من كل الأمم، إلا أنهم لم ينتقوا الأفضل بل اقتبسوا الأسوأ والأخس، فيقول: “فلم يقتبسوا من تلك

الأمم العليا سوى أخس ما في حضارتها ولم يقتبسوا سوى عيوبها وعاداتها الضارة ودعارتها وخرافاتها … وكانوا يضعون أبناءهم في أذرعة محررة من مولك وكانوا يحملون نساءهم على

البغاء المقدس في المشارق”[27]. ويتتبع سقطات التوراة ودعارات القوم وأخطاءهم ويرى في اليهودية أنها ليست إلا نتاجاً مختلفاً من فكر الأقوام الذين خالطوهم من السومريين والأكاديين

والآراميين والبابليين. 
——————————————————————————–

[1]  عبد الواحد وافي “دكتور”: فقه اللغة ، القاهرة، (بدون ذكر المطبعة ولا رقم الطبعة)، 1950، ص 6ـ7.

[2]  عبد الحميد زايد: مرجع سابق، ص62.

[3]  خالد عبد الرحمن العك: تاريخ القدس العربي القديم، مؤسسة النوري للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 1986-1407هـ، هامش رقم (14)، ص 51.

[4]  عبد المجيد الويس “دكتور”: فقه العربية وسر اللغة المهرية، مؤسسة الميثاق للطباعة والنشر، صنعاء، 1425هـ ، 2004م، ص 32 ـ33. نقلاً عن: محمد خليفة حسن “دكتور”:

دراسات في تاريخ وحضارة الشعوب السامية القديمة، ص 33.

[5]  عبد الواحد وافي: مرجع سابق، ص9.

[6]  صبحي الصالح “دكتور”: دراسات في فقه اللغة، الطبعة الأولى، بيروت، 1388هـ  ، 1960م، ص 48.

[7]   خالد عبد الرحمن العك، مرجع سابقن، ص 51.

 [8] عبد الواحد وافي: مرجع سابق، ص 15.

[9]  المرجع السابق، ص 8.

[10]  محمد الأنطاكي: دراسات في فقه اللغة، دار الشرق العربي، بيروت، الطبعة الرابعة، ص 74 ـ 77.

[11] عبد المجيد ههمّو: الكنعانيون والتوراة المحرفة، مرجع سابق، ص 234.

[12]  المرجع السابق، ص 233.

[13]  بنيامين فريدمان: يهود اليوم ليسوا يهودا، ترجمة زهدي الفاتح، دار النفائس الطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الثالثة، 1408هـ ـ 1988م، ص 19.

[14]  صبحي الصالح: مرجع سابق، ص 37.

[15]  عبد الواحد وافي: مرجع سابق، ص 53.

[16]  عبد الواحد وافي: مرجع سابق، ص 45 ـ 46.

[17] عبد الحميد زايد، مرجع سابق، ص362.

[18] جيمس هنري برستد: انتصار الحضارة، تاريخ. الشرق الأدنى، نقلة للعربية الدكتور أحمد فخري، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، (بلا تاريخ)، ص 206.

[19] محمد مصباح حمدان، الاستعمار والصهيونية، المكتبة العصرية، صيدا، لبنان، 1967، ص 84.

[20] عبد المجيد ههمّو: التوراة من كتبها وكيف ـ وما موقف العلماء منها؟، سلسلة مصادر التوراة (1)، دار غار حراء، دمشق، ص 5.

[21] عبد الحميد زايد: مرجع سابق، ص 374.

[22] عبد الرحمن غنيم، عبد الرحمن غنيم، مرجع سابق، ص 27.

 [23] أحمد سوسة، مرجع سابق، ص 9.

[24] رجاء جاردوي، مرجع سابق، ص 41.

[25] المرجع السابق، ص 107.

[26] عبد المجيد ههمّو: التوراة من كتبها وكيف؟ مرجع سابق، ص46.

[27] المرجع السابق، ص  64.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: