مفاهيم: واجب تصحيح الأسماء بعض المصطلحات والأسماء (8)

مفاهيم: واجب تصحيح الأسماء بعض المصطلحات والأسماء (8)

    مصطفى إنشاصي

هذا بحث كنت نشرت منه بعض الحلاقات سابقاً بدون إعادة صياغة وتوثيق، وقد أعدت صياغته وانتهيت منه قبل أسبوع ومازال يحتاج إلى إعادة قراءة وتعديل، وقد قدمته لبعض أساتذة الجامعة

في تخصصات متعددة في العلوم الإنسانية أصدقاء لوضع ملاحظاتهم عليه، وسأنشر ما لم ينشر منه سابقاً، وبعض ما نشر بعد إعادة الصياغة والتوثيق أيضاً منتظراً إضافات أو تعديلات من

القراء.

3ـ واجب تصحيح الأسماء بعض المصطلحات والأسماء

خلاصة القول: إن الواجب القومي العربي والإسلامي يقتضي من كل أبناء الأمة أن يحرصوا على استخدام المفاهيم والمصطلحات الصحيحة، التي تدل على حقيقة هوية وطننا وأبعاد الصراع الدائر

فيه، وتبين مَنْ الذين ساعدوا اليهود على اغتصاب فلسطين، ومازالوا يوفرون الحماية للمغتصب اليهودي لقلب الأمة، ويحاولون جعله محوراً ومركزاً لكل “نظام إقليمي جديد” في وطننا، لذلك

ليحرص كل منا على استبدال تلك المصطلحات التوراتية بأي مصطلح يتوافق مع فكره ومفاهيمه الأصيلة، بحيث يدل على وحدة الوطن وأبعاد الهجمة اليهودية الغربية عليه، لعله يكون بداية لتقويم

المقلوب، والعودة إلى الذات، وإدراك أبعاد ومخاطر الاستمرار في استخدام المصطلحات الغربية التي تنطوي على أبعاد خطيرة ضد الأمة والوطن. لأن استخدام تلك المنظومة التوراتية عن أصل

الجنس البشري، واعتبار كتاب التوراة المحرف الذي بين أيدينا مصدر تاريخي موثوق، والنقل عنه بدون تحفظ أو نقد وتداول ما ورد فيه من أسماء وأصول وأنساب للقبائل القديمة العربية وغير

العربية، كل ذلك يضفي الشرعية الدينية والتاريخية على المزاعم اليهودية في فلسطيننا، والأرض من الفرات إلى النيل وعن السيادة العالمية لليهود!

وفي اعتقادنا أن هذه التسمية لا تقوم على سند من تاريخ أو علم آثار؛ وأن الأولى أن تسمى هذه الشعوب بالجنس العربي، وقبائلها بالقبائل العربية، ما دامت قد نزحت من جزيرة العرب. فجزيرة

العرب أخذت تُذكر باسم العروبة الصريح في كتب اليونان والرومان وأشعار العهد القديم، واسم العرب الصريح أخذ يُطلق على أهلها المستقرين في داخلها وتخومها الشمالية جزئياً ثم شمولياً على

ما تدل عليه النقوش والمدونات القديمة منذ نحو ثلاثة آلاف سنة، ما يعني أنها معروفة بذلك الاسم قبل ذلك التاريخ[1].

كما أنه وجد أول نص أثري وجدت فيه كلمة عرب وهو نص (شلمانصر) الثالث والذي يعود إلى سنة 954 ق.م. الذي تحدث عن (جندب العربي) الذي كان أحد أعضاء حلف من “ملوك” سوريا

الجنوبية حاربوا ذلك الملك الآشوري. وسواء فهمنا كلمة العرب في النص على أنها البدو وهو الأرجح أو أنها تعني قوماً بعينه، فإن النتيجة واحدة وهي أن جماعة تحمل هذا الاسم أو الصفة كانت

موجودة منذ القرن التاسع ق.م. وقد تتالى حديث نصوص الملوك الأشوريين بعد ذلك التاريخ إلى نهاية عهد الدولة الآشورية في القرن السادس قبل الميلاد عن ملوك وملكات الأرض “الأربي”

وعن “آدمو” معقل بلاد العرب وقبائلها. كما يحفظ سفر الأخبار الثاني أخبار غارة شنها عرب الجنوب على (يهوذا) سبوا فيها نساء وأولاد الملك (يورام) (848 ـ 844 ق.م) ونهبوا أمواله.

ويبرز اسم العرب كعنصر أساسي من عناصر السكان منذ أواخر القرن السابع ومطلع السادس ق.م، فتتحدث نبوءة (أرميا) (626 ـ 586 ق.م) عن “ملوك العرب” أي الشيوخ. ويتحدث (

هيرودوت) عن (دارا) في القرن السادس ق.م الذي خضعت له كل أقوام آسيا إلا العرب لم يخضعوا أبداً لسلطان فارس[2].

فضلاً عن ذلك أن مؤرخي منطقة بلاد الشام والعراق يجمعون على أن هذه المنطقة كانت إلى حد كبير وحدة واحدة لا تنفصل عن بعضها، خاصة وأن سكان المنطقة بكاملها بما فيها مصر وجنوب

وادي النيل منذ فجر التاريخ  يشكلون شعباً واحداً، من أصل واحد، جاء من الجزيرة العربية، موطن القبائل العربية التي غطت هذه الأراضي منذ ما قبل العصور التاريخية المعروفة، والتي امتزجت

شعوبها مع سكان البلاد القدامى قليلي العدد وامتصتهم فيها، وأكسبتهم صفاتها العربية، وصبغت البلاد كلها بالصبغة العربية، ابتداء من نحو 3500 ق.م حيث خرجت القبائل العربية من جزيرتها

العربية بأعداد هائلة، وانتشرت في العراق وبلاد الشام “سوريا، ولبنان، وفلسطين، وشرق الأردن”، ومن فلسطين سارت بعض القبائل إلى سيناء ومنها إلى مصر، وذهبت منها قبائل إلى شمال

إفريقيا وإلى السودان والحبشة، واستوطنت هذه البلاد وامتزجت بسكانها[3]. ويذكر الدكتور أحمد سوسة: “إن جماعات نزحت من جزيرة العرب إلى وادي النيل واستقرت فيه في حدود الألف الرابع

قبل الميلاد”[4].

وتلك المنطقة هي ما أطلق عليها المؤرخ وعالم الآثار الأمريكي (جيمس هنري برستد) اسم الهلال الخصيب، لأنه “يكون شكلاً نصف دائري على وجه التقريب، ويرتكز حرفه الغربي جنوب البحر

الأبيض المتوسط، ووسطه فوق شبه جزيرة العرب ويرتكز حرفة الآخر عند (الخليج الفارسي) وخلف ظهر هذا الهلال تقوم الجبال المرتفعة، وعلى ذلك تكون فلسطين عند نهاية الجزء الغربي منه

وبلاد بابل في الجزء الشرقي بينما تكون بلاد آشور جزءاً كبيراً من وسطه. وهذا الهلال الخصيب ليس إلا امتداداً لصحراء العرب”[5].

وإذا ما رجعنا إلى المؤرخين والجغرافيين العرب والمسلمين القدامى، وتحديدهم لحدود الجزيرة العربية، فإننا سنجد أن منطقة الهلال الخصيب عندهم هي جزء من الجزيرة العربية، وعلى ذلك فإن

حركة انتقال القبائل منذ فجر التاريخ كانت تتم في حدود الوطن الواحد “الجزيرة العربية”، التي حددوا حدودها: “من عبادان حيث مصب دجلة على الخليج العربي، إلى عمان على مدخل الخليج

مروراً بالبحرين ومن عمان إلى عدن على مدخل بحر القلزم (الأحمر) مروراً بسواحل المهرة وحضرموت ومن عدن على طول سواحل اليمن، عبر جدة والحاز ومدين إلى (آيلة) على طرف خليج

العقبة، عبر تاران وثيران”. كما يقرر المؤرخ العربي الإصطخري أن هذه المساحة من بلاد العرب تحيط بها مياه البحار “بحر فارس” تمثل ثلثي بلاد العرب، وأما الثلث الباقي فحدوده الغربية من

آيلة” إلى بالس قرب الرقة، ويعتبر هذا الحد من بلاد الشام ويمر على البحر (الميت البحيرة المنتنة أو بحيرة زغر) إلى الشراة والبلقان (من عمل فلسطين( إلى حوران وأذرعات والبثنية والغوطة

ونواحي بعلبك (من عمل دمشق) إلى تدمر وسليمة (من عمل حرض) ومن هناك إلى المناصرة وبالس (من عمل قنسرين) عند الفرات[6].

أضف إلى ذلك: أن ما كان يسمى حتى عهد الآراميين بالعناصر (السامية) صار هو نفسه يُدعى بالعناصر العربية بعد ذلك، وإذا كانت التسمية لا تهم بقدر ما يهم التكوين الحضاري الفعلي والواقع

التاريخي فهذه الجماعة الأخيرة العرب التي يظهر اسمها وتظهر جموعها في سوريا منذ القرن الثامن ق.م، جاءت من المنبع نفسه المختلف عليه (الجزيرة العربية) والذي جاء منه (العموريون)

و(الآراميون) وكانت تتشكل من العناصر العرقية نفسها التي شكلت من قبل عناصر هؤلاء وأولئك. كما أنها كانت وما زالت تحمل الأسس الحضارية نفسها التي حملوها من تقاليد اجتماعية وطرق

عمل وفكر وحياة ومن عناصر ثقافية، دينية ولغوية وفنية[7].

القبائل العربية لا (الكنعانية) ولا (الفينيقية)

من الأسماء التي يتم تداولها دون التدقيق في مدى صحتها أو صوابها، وإن كانت حقائق تاريخية قطعية لا يرقَ إليها الشك أو أنها خرافات وضعها كتبة التوراة وألبسوها لباس الدين والوحي

السماوي، لتخدم أهداف سياسية معينة خاصة بهم، وأصبحت حقائق تاريخية وعلمية مسلم بها في العالم أجمع، ويشكل استخدامها مخاطر عظيمة على عقلية الشعوب ومستقبل الصراع مع العدو

الصهيوني، لأن لها علاقة بالرؤية الدينية التوراتية، والتي تعتبر من صلب قضايا الصراع بين المسلمين واليهود على فلسطين (القضية المركزية للأمة)، والتي لها علاقة مباشرة أيضاً بغايات

التوراة للسيادة العالمية الدينية لليهود، تلك الرؤية التي يؤمن بحرفيتها النصارى البروتستنت، وبالمعنى العام لها النصارى الكاثوليك والأرثوذكس، أسماء مثل (الكنعانيون، الفينيقيون). أو كأن

يوثق البعض إلى أن أقدم جذر تاريخي في بناء القدس يعود إلى اسم بانيها، وهو (إيلياء بن إرم بن سام بن نوح)، ولو سألته أو بحثت عن مصدره التاريخي الموثوق الذي اعتمد عليه في توثيقه

لهذه المعلومة أو تلك على شاكلتها كما هو أصل اسم (الكنعانيون والفينيقيون) ستجده التوراة المحرفة التي بين أيدينا! لذلك سنلقي الضوء على مصدر آخر قد يكون أكثر صحة من المصدر

التوراتي لأصل اسم (الكنعانيون، الفينيقيون)، أو الأصل اللغوي الذي اشتقت منه تلك الأسماء.

كانت القبائل التي أطلقت عليها اسم (الكنعانيون والفينيقيون) هي فرع من الهجرات العربية التي غمرت الساحل السوري ولبنان وفلسطين في الألف الرابع قبل الميلاد، وهي أول وأكبر القبائل

العربية التي سكنت فلسطين ولبنان. فقد “وصل (الفينيقيون) ونزلوا على شاطئ البحر الأبيض المتوسط ابتداءً من أوجاريت (على مقربة من اللاذقية) إلى صور، كما احتل (الكنعانيون) جزءاً آخر

من الشاطئ من جبال الكرمل حتى حدود مصر، وهي المنطقة التي عرفت فيما بعد باسم فلسطين”. ومن خلال البحث التاريخي والمسح ألآثاري الغالب أنه لم يثبت اسم (كنعان) إلا في العهد القديم

(التوراة)، كتب الأب دوفو: “كانت بداية العصر البرونزي القديم 3100 ق. م هي الزمن الذي استقر فيه (الساميون) لأول مرة في فلسطين وقد أُطلق عليهم (الكنعانيون) تبعاً لإطلاق (الكتاب

المقدس) الذي خلع هذا الاسم على السكان (الساميين) في فلسطين قبل وصول الإسرائيليين)[8].

لذلك لا بد من وقفة مع أصل كلمة (كنعان). يقول مجموعة من المؤرخين وعلماء الآثار:

أنه كان يُظن قديماً أن اسم (كنعان) (سامي) الأصل وأنه مشتق من فعل خنع، قنع، كنغ إشارة إلى الضِعة ومنها مجازاً الأرض الواطئة لسكناهم على الساحل، ولكن الرأي المقبول الآن عند أكثر

المشتغلين بهذه الدراسات هو أن أصل كلمة (كنعان) غير (سامي)، ويُحتمل أن يكون مشتقاً من اللفظ الحوري Knaggy  بمعنى الصباغ الأرجواني، إذ كانت هذه المنطقة تشتهر بهذه الصبغة

القرمزية عندما اتصل الحوريون بتلك البلاد في القرن الثامن عشر أو السابع عشر قبل الميلاد. وفي البابلية كتبوا اسمها كنغى، وكتب بالفينيقية كنع Kena، وبالعربية (كنعان) أي بلاد

الأرجوان[9].

لم يقل علماء الآثار أن (كنعان) اسم علم على (كنعان بن حام بن نوح)؟! ولكنهم ظنوا في البداية أنه مشتق من فعل خنع، قنع، كنغ كما سبق ذكره، وأنهم اكتشفوا أن الاحتمال الأقرب إلى

الصحة، أنه مشتق من اللفظ الحوري Knaggy فكيف لنا أن نستخدمه على أنه اسم علم، في الوقت الذي لم يذكره اسم علم إلا (التوراة)، وقد سبق أن ذكرنا القصة التي اختلقها كتبة التوراة

والهدف والغاية منها وعدم صحتها

أما اسم (فينيقيا) فهو مشتق على الأرجح من الكلمة اليونانية  Phoenix التي تعني باليونانية نفس معنى كلمة  Knaggyالحورية؛ أي  تعني اللون القرمزي أو اللون الأرجواني، وهو اللون

الذي كانت القبائل العربية التي سكنت ساحل لبنان وسوريا (الفينيقيون) يستخرجون لونه من المحارات البحرية ويصبغون به ثيابهم. والظاهر أن الإغريق هم الذين خلعوا عليهم هذه التسمية.

وغالباً ما تكون جماعة الميكانيين الذين جاءوا إليها للاتجار في أواخر الألف الثاني عشر قبل الميلاد هم الذين خلعوا عليها ذلك الاسم. وفي البداية كان يُستعمل لفظ (فينيقي) لكل القبائل العربية

التي سكنت فلسطين ولبنان، ثم حدد إلى الذين يسكنون الساحل، ومن حوالي الـ1200ق.م أصبحت كلمة (فينيقي) مرادفة لكلمة (كنعان)[10]. إلا أن اسم (الكنعانيين) ظل يطلق على من سكن

الساحل الفلسطيني والمناطق الداخلية، واسم (فينيقي) على من سكن الساحل اللبناني والسوري مع أنهم قبيلة واحدة ولا فروق بينهم.

وذهب الأستاذ العقاد في تفسير (فينيقي) غير ما ذهب إليه غيره، فقال: إن اليونان “يطلقون اسم فينيقية على شاطئ فلسطين إلى الشمال والجنوب من مدينة صور التي اشتهر أبناؤها الملاحون

عندهم باسم الفينيقيين، ولكن فينيقية كما يدل عليها اسمها كانت اسماً لبلاد النخل في الإقليم كله، وكلمة (فينقس) عندهم ـ اليونان ـ تعني النخلة، وتقابلها عند الرومان كلمة Palmyra التي

أطلقت علي مدينة (التمر) أو “تدمر” في شرق البقاع، و”تمر هي الكلمة السامية التي تقابل كلمة Palmyra بمعنى النخلة في بعض اللغات الأوروبية إلى اليوم. وأطلق اسم (كنعان) في البداية

على الساحل وغرب فلسطين، ثم صار الاسم الجغرافي لفلسطين وقسم كبير من سوريا، وكان هذا  أول اسم لفلسطين، وكل الأسماء الأخرى لها أقل شأناً وذكراً[11].

وبناء على ما تقدم فأننا نرى أن تُستخدم كلمة “سامي” و”عربي” كمترادفين لكلمة واحدة نقصد بها العرب، كما يُفضل وضع كلمة (سامي) و(كنعاني) و(فينيقي) وغيرها من الأسماء التي مصدرها

توراتي ومشتقاتها عند النقل بين قوسين للدلالة على تحفظنا عليها، وأننا اضطررنا إلى استخدامها لضرورات النقل فقط. وتأكيداً منا على أننا لا نؤمن بخرافة التقسيم التوراتي لأصل الأجناس

البشرية على الأرض، وأن القبائل التي يسميها البعض من المؤرخين وعلماء الآثار بالقبائل (السامية)، لا يوجد أي دليل قرآني أو تاريخي أو آثاري صحيح يؤكد حقا أنها تعود بأصولها العرقية

إلى من تدعيه التوراة المحرفة (سام بن نوح)، واعتبار ذلك محض خرافة وأسطورة، ولكن الثابت أن اسم “كنعان” كاسم علم وأصل للقبائل العربية التي سكنت فلسطين وكجد أعلى لتلك القبائل،

أول من أستعمله كان العهد القديم “التوراة”. كما أنه هناك شبه اتفاق بين المؤرخين وعلماء اللاهوت من الذين لم يقعوا فريسة للتعصب العرقي والديني الغربي؛ على أن ذلك التقسيم التوراتي

لأصل الجنس البشري له غايات دينية وسياسية يهودية. وقد يكون كتبة التوراة صاغوا مؤامرتهم أيام السبي البابلي على أساس أن اسم (الكنعانيون) وغيره من الأسماء كانت موجودة وعلماً على

تلك القبائل العربية التي كانت تسكن فلسطين وغيرها، ولكنهم أعطوها الصبغة الدينية السياسية، وجعلوا لها أصول دينية وعقدية يترتب عليه حقوق وواجبات على كل الأجناس البشرية أدائها تجاه

الذرية الوحيدة (اليهود) التي هي من نسل (سام بن نوح)، التي خصتها الأسطورة التوراتية بالأرض الموعودة “فلسطين” وبالسيادة العالمية، وأن (كنعان بن حام) لُعن وحُرم من البركة والسيادة؛

بسبب غلطة ارتكبها أباه (حام بن نوح). وعلى الرغم من أن مصدر أصل تلك الأسماء غير التوراتي تطمئن له نفوسنا أكثر ويعتبر أصدق مما جاء في التوراة عن أصل مصدر اسم (الكنعانيون

والفينيقيون) إلا أننا سنبقى نضع الاسم بين قوسين لأنه ليس كل الكتاب أو القراء يعرفون المصدر الأصلي للكلمة أو ويرفضون التسمية الدينية السياسية التوراتية.

العبيرو ليسوا العبرانيين

من المعلومات التاريخية التي يرددها السواد الأعظم من الكتاب كلما تحدثوا عن تاريخ فلسطين، أو عن تاريخ بني إسرائيل، وخاصة سيدنا داود عليه السلام، مما ينقلونه من التوراة المحرفة

والمزورة وما فيها من اتهامات لا أخلاقية وسخافات وافتراءات وأكاذيب ليس فقط لا تليق بنبي أو رسول ولكنها تتنافى والفطرة السوية لعامة الوثنيين، فما بالك بأنبياء ورسل الله عليهم جميعاً

أفضل الصلاة والتسليم؟! تلك المعلومات التي ينقلونها وبكم زائد عن الحد دون أن تنفر نفس الناقل من مضامينها وأبعادها وهو ينقل عن نبي أو رسول، ودون مراعاة لأدب أو تنويه من الكاتب

بأنه ينزه الأنبياء والرسل عن تلك السخافات والافتراءات والأكاذيب، وأنه اضطر إلى نقل تلك النصوص كما جاءت في كتاب اليهود (التوراة) لضرورات التوثيق أو تبيان الحقيقة، أو لكيفية تناول

كتبة التوراة وتشويههم لتاريخ الأنبياء والرسل من أجل خدمة أهداف وغايات دنيوية لا علاقة لها بحقيقة دعوة رسل بني إسرائيل وتاريخهم أو أخلاقهم.

ومن تلك المعلومات والأخطاء التاريخية والخلط في الحقائق دون التمحيص لها لتبين عدم صحتها، خلطهم بين بني إسرائيل وقبائل العابيرو التي لم يكن لها موطن محدد، وكانت تعيش على

السرقات وقطع الطريق، وتعمل لمن يدفع لها ليتقي شرها أو ليخلصوه من أعداء له، اتهامهم كذباً لنبي الله داود إلى جانب اتهامات كثيرة لا تصح في حق نبي مرسل من الله تعالى، واتهامهم

سيدنا داود أنه انضم للعبيرو وأنه كان قاطع طريق، ولا يلفت انتباههم وهم يسوقون تلك المعلومات نقلاً عن التوراة وعلى أنها حقائق تاريخية أن العبيرو الذين لجأ لهم سيدنا داود ليسوا من بني

إسرائيل؛ ولا ينتبهوا لذلك ويخلطوا بينهما لمجرد اشتراكهما في الأصل العرقي، حيث أنهما من نفس القبيلة العربية، ولكن العبيرو ليسوا أحفاد سيدنا إبراهيم عليه السلام! تلك المعلومة لم ألتفت

لها إلا وأنا أحقق في: مَنْ يكون فرعون سيدنا موسى عليه السلام، خاصة وأن علماء الآثار الغربيين وبعض العرب والمسلمين جعلوا له أكثر من فرعون، فهناك مَنْ جعل له فرعونين وآخر

ثلاثة وقد وصل الأمر بالبعض أن جعل له أربعة فراعنة، من أجل أن يتوافق ذلك وينسجم مع روايات التوراة المحرفة عن خروج بني إسرائيل من مصر، في الوقت الذي لم يذكر القرآن الكريم

لموسى غير فرعون واحد، ولد في عهده ومات غرقاً وهو يطارد موسى وبني إسرائيل! وقد كتبت أيامها:

جاء في كتب الآثار التي تحدثت عن تاريخ مصر والمنطقة قديماً: يوجد في الوثائق المصرية القديمة الهيروغليفية معلومات تشير إلى أنه قد وُجد بمصر على فترات متباعدة من الزمن من قبل

زمن الهكسوس تقريباً؛ فئة أو أقوام من العاملين أو المرتزقة وقطاع الطرق عُرفت باسم الخابيرو والعبيرو والأبيرو والهابيرو Apiru  أو هابيرو Habiru  أو HapirK –  كلها تسميات لفئة

واحدة ـ وقد قاموا بأعمال سُخرة في مصر وبناء المدن المذكورة في التوراة على أن بُناتها بني إسرائيل أيام استعباد فرعون لهم، وغيرها. لا ينتمون إلى السكان المحليين ولا توجد لهم هوية

في طبقة من المجتمع وليس لهم عمل واحد ولا وضع واحد. وقد أشير بهذا الاسم إلى عمال البناء والعمال الزراعيين وعمال قطف العنب … الخ. وهؤلاء القوم مُختلف على أصلهم بين علماء

الآثار والمؤرخين، من أين أتوا؟ عسيرة حقاً الإجابة عن هذا.

رأى البعض صحة أو خطأ أنهم العبريون. ومع أن هؤلاء العبيرو مذكورين في أكثر من مكان غير مصر وخاصة بلاد الشام، وأنهم مذكورين في التاريخ القديم قبل تشكل بني إسرائيل في جماعة

واحدة تُعرف باسمهم. إلا أنهم يجزمون أنهم هم العبريون بحسب نص التوراة أو الأبيرو (حسب النصوص الهيروغليفية) الذين سخرهم فرعون في الأعمال الكبرى التي أمر بها.

وهناك شبه إجماع بين علماء الآثار على أن الخابيرو تسمية تطلق على فئة من الناس كانت خليط من قبائل مختلفة أشهرها الآراميين، ليس لها موطن، وكانت تعتمد في حياتها على الإغارة

وقطع الطريق، وكانت مرتزقة بالمعنى الحديث للكلمة أي ممكن أن تقاتل مع من يدفع لها. وكان الفراعنة وأمراء بلاد الشام أوقات يدفعون لهم ليأمنوا شرهم، وكانوا يجوبون الأرض بين بلاد

الشام ومصر. وترى التوراة أن داود عندما فر من جيش طالوت استعان بهم في قتاله.

تصويب الخطأ

بتقديري أن السواد الأعظم من علماء الآثار قد خلطوا بين تاريخ الخابيرو المذكورين في الوثائق المصرية القديمة، وبين كلمة عبرو أو عبرانيين التي كانت تطلق على بني إسرائيل آنذاك.

واعتبروا أن كل الإسرائيليين عبرانيين وليس كل العبرانيين إسرائيليين. وبناء عليه ربطوا تاريخ الإسرائيليين في دخولهم لمصر وخروجهم منها بتاريخ الخابيرو، ولم يفصلوا بينهما، لذلك لم

يستطيعوا الفصل بين الجماعتين، وربطوا بينهما في الحل والترحال. فاختلفت الآراء. 

أَما ونحن نحاول أن نقدم قراءة جديدة لتاريخ سيدنا إبراهيم وأحفاده من خلال رؤية قرآنية، فقد فصلنا بينهم وبين غيرهم من الجماعات التي عاصرتهم أو قد تكون صاحبتهم في مسيرة ترحالهم

الطويلة، وخاصة الخابيرو، واعتبرنا أن بني إسرائيل جماعة لها تاريخها المستقل عن غيرها ممن يتشابهون معهم في الأسماء أو يشتركون معهم في الأصل العرقي، لذلك لم نعتبر – كعلماء

الآثار- أن هجرة سيدنا إبراهيم من العراق كانت جزء من هجرة كبيرة، حتى وإن ثبت أن سيدنا إبراهيم هاجر مُتبعاً طريق القوافل مع جماعة كبيرة كانت متجهة إلى حَرّان أو فلسطين. لأن هجرة

سيدنا إبراهيم ومن آمن معه كانت هجرة إيمان وعقيدة، وبأمر من الله تعالى إلى أرض محددة (الأرض التي باركنا فيها للعالمين)، وليست هجرة عشوائية لقبيلة تبحث عن أرض يمكن لها أن

تضع رحالها عليها وتستقر وتعيش فيها، ولأنه لا علاقة لهجرة سيدنا إبراهيم ببقية الركب إن ثبت أنه كان معهم ركب آخر لا في حِلهم ولا ترحالهم إلا بما يخدم دعوته أو وجهته التي أمره الله

تعالى بالتوجه إليها “الأرض المباركة”.

ونفس الأمر ينطبق على خروج سيدنا يعقوب وبنيه من فلسطين وانتقالهم ودخول مصر أيام سيدنا يوسف، لم يكن له علاقة بدخول الهكسوس أو قبائل الخبيرو أو العابيرو إلى مصر أو خروجهم

منها، حتى وإن ثبت أنهم رافقوا بعضهم في طريق انتقالهم إلى مصر فقط، لأنه يستحيل أن يكونوا رافقوا أحد سواء من الهكسوس أو قبائل الخابيرو أو العابيرو أثناء خروجهم (بني إسرائيل) من

مصر، لأن خروجهم لم يتزامن مع خروج الهكسوس الذي سبق خروجهم بنحو ثلاثمائة سنة، وإن ثبت يوماً ما تاريخياً أن خروج بني إسرائيل تزامن مع خروج قبائل أخرى من العبيرو من مصر،

فلا يعني ذلك أنهم رافقوهم في سيرهم وسلكوا معهم نفس الطريق! لأن بني إسرائيل كان لهم خصوصية اختصهم بها رب العالمين لحمل الرسالة، وليكون منهم الأنبياء والرُسل، وقد كان خروجهم

من مصر هرباً من فرعون وقومه هروب إيمان وعقيدة، تلاه أحداث خصت بني إسرائيل وحدهم دون غيرهم لها علاقة بعقيدتهم ودعوتهم الإلهية، فيستحيل أن يكون معهم في ذلك الخروج قبائل

أخرى.

ولذلك نقول ونحن مطمئنين لأننا لا نلهث وراء إثبات صحة هذه الرواية أو تلك مثل الآخرين: إن الذي أوقع علماء الآثار في الخطأ والخلط؛ أنهم ربطوا تاريخ بني إسرائيل في حِلهم وترحالهم، بدء

من هجرة سيدنا إبراهيم للعراق، مروراً بدخول سيدنا يعقوب وبنيه مصر وخروجهم منها أيام سيدنا موسى بغيرهم من القبائل وخاصة قبائل الخبيرو!! والذي زاد من الخطأ والخلط أن علماء الآثار

والراجح في التوراة أن سيدا إبراهيم يرجع نسبه إلى الآراميين، وعليه يكون الأصل العرقي لبني إسرائيل أو العبرانيين الذين يقصد بهم مَنْ عبر النهر أو الصحراء مع سيدنا إبراهيم يعود إلى قبيلة

الآراميين العربية. وأن السواد الأعظم من قبائل الخابيرو أو العابيرو التي بدأت تجوب المنطقة بكاملها إلى مصر منذ ما قبل الألف الثاني قبل الميلاد، وكانوا مرتزقة وقطاع طرق وقد استقروا أخيراً

في جنوب فلسطين وشرق الأردن، يرجعون في أصلهم العرقي إلى الآراميين أيضاً.

من هنا قد يكون جاء الخلط والخطأ في الغالب، وقد كان من أشد الأخطاء التي ترتبت على ذلك الخلط النتائج التي توصل لها كثير من علماء الآثار حول فرعون موسى، وهذا ما سأعرض له:

——————————————————————————–

[1] محمد عزة دروزة، “تاريخ الجنس العربي، الجزء الثاني، المكتبة العصرية للطباعة والنشرـ صيدا ـ بيروت، 1379هـ-1959م، هامش (1) ص6-7”.

[2]  شاكر مصطفى “دكتور”: العرب والإسلام وفلسطين عبر التاريخ، كتاب “القضية الفلسطينية والصراع العربي الصهيوني، مجموعة من الكتاب، الجزء الأول، اتحاد الجامعات العربية، ص 30.

[3]- يوسف هيكل “دكتور”: فلسطين قبل وبعد، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الأولى1971، ص21.

[4] أحمد سوسة، مرجع سابق، ص 71.

[5]- جيمس هنري برستد: انتصار الحضارة، مرجع سابق، ص151.

[6]- سعد زغلول عبد الحميد، مرجع سابق، ص 65-66.

[7]  شاكر مصطفى، مرجع سابق، ص29.

[8]  رجاء جارودي، مرجع سابق، ص74.

[9] عبد الحميد زايد، مرجع سابق، ص241، 244، 245، أحمد فخري، مرجع سابق، هامش (1) ص107.

[10] المرجع السابق.

[11] أحمد عبد الغفور عطار، عروبة فلسطين والقدس، دار الأندلس، بيروت، الطبعة الخامسة، 1400هـ ـ 1980م، ص 20.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: