مفاهيم: العرب كلهم عاربة وليس فيهم بائدة ولا مستعربة (6)

 مفاهيم: العرب كلهم عاربة وليس فيهم بائدة ولا مستعربة (6)
    مصطفى إنشاصي

هذا بحث كنت نشرت منه بعض الحلاقات سابقاً بدون إعادة صياغة وتوثيق، وقد أعدت صياغته وانتهيت منه قبل أسبوع ومازال يحتاج إلى إعادة قراءة وتعديل، وقد قدمته لبعض أساتذة الجامعة

في تخصصات متعددة في العلوم الإنسانية أصدقاء لوضع ملاحظاتهم عليه، وسأنشر ما لم ينشر منه سابقاً، وبعض ما نشر بعد إعادة الصياغة والتوثيق أيضاً منتظراً إضافات أو تعديلات من

القراء.

6ـ عروبة إبراهيم عليه السلام؟!

لقد وقع معظم كتاب التاريخ ودارسي الكتب الدينية عند الحديث عن سيدنا إبراهيم عليه السلام وبني إسرائيل من بعده في خطأ جسيم جداً، وذلك عندما رفعوا نسبه إلى من تدعيه التوراة (سام بن

نوح)، كما أن التوراة تناقضت في ذكر نسب سيدنا إبراهيم، وغالباً ما يذكره المؤرخون دون التطرق إلى أصله العرقي وأصل قبيلته التي انسلخ عنها بعد أن أوحى إليه الله تعالى بأن يترك قومه

ويهاجر إلى الأرض التي بارك الله فيها للعالمين، مما يُظهر بني إسرائيل واليهود وكأنهم قبيلة متميزة عن غيرها من القبائل التي عاصرتها، ومستقلة عن جميع قبائل وأعراق الأرض منذ فجر

التاريخ، أو منذ ما بعد الطوفان، في وقت الحقيقة فيه خلاف ذلك.

فنحن عندما نرجع إلى شجرة الأنساب في التوراة في سفر التكوين؛ نجدها رفعت نسب إبراهيم عليه السلام إلى (أرفكشاد بن سام بن نوح)، فقد جاء في التوراة: “وَسَامٌ أَبُو كُلِّ بَنِي عَابِرَ وُلِدَ لَهُ

أَيْضاً بَنُونَ. بَنُو سَامَ: عِيلاَمُ وَأَشُّورُ وَأَرْفَكْشَادُ وَلُودُ وَأَرَامُ. وَبَنُو أَرَامَ: عُوصُ وَحُولُ وَجَاثَرُ وَمَاشُ. وَأَرْفَكْشَادُ وَلَدَ شَالَحَ وََوَلَد شَالَحُ عَابِرَ وَوَلَد عَابِرُ َفَالَجَ وَوَلَدَ َفَالَجَ رَعُوَ وَوَلَدَ رَعُو سَرُوجُ وَوَلَدَ

سَرُوجُ نَاحُورََ وَوَلَدَ نَاحُورَ تَارَحَ. وَوَلَدَ تَارَحُ أَبْرَامَ وَنَاحُورَ وَهَارَانَ. (يراجع سفر التكوين: الإصحاح 10،11). وفي موضع آخر من التوراة في سفر التثنية نحد كتبة التوراة ينسبونه إلى (أرام بن

سام بن نوح) أخو (أرفكشاد بن سام بن نوح) عندما يكتبوا على لسانه: “أَرَامِيّاً تَائِهاً كَانَ أَبِي”. (التثنية: 26/5). فأي النسبين الصحيح؟!.

لذلك سنخالف ما درج عليه المؤرخون والكتاب عند ذكرهم سيدنا إبراهيم وبني إسرائيل واليهود من بعده، ونبدأ تحديد نسب سيدنا إبراهيم عليه السلام، لنثبت نسبه العربي منذ ولادته، وكذلك أن

الذي دفع العرب أبناء عمومة بني إسرائيل إلى كراهيتهم وعدم الترحيب بهم أو بجوارهم، ومحاربتهم لهم، راجع إلى ما طُبع عليه بنو إسرائيل من طباع سيئة، وأخلاق عدوانية، منذ فجر تاريخه،

وقصتهم مع أخويهم من أبيهم سيدنا يوسف وأخاه بميامين على تسمية التوراة له معروفة، فإن كان حقدهم وكراهيتهم وغيرتهم من أخويهم الأصغرين وصلت ذلك الحد فكيف ستكون مع

غيرهم؟!.

إننا نرى أن الرأي الراجح هو الذي يقول: أن أصل سيدنا إبراهيم عليه السلام من قبيلة آرامية عربية الأصل، هاجرت إلى بلاد الشام والعراق مع الهجرة الآرامية في الألف الثالث قبل الميلاد، وأن

قسم منها سكن الجزء الجنوبي من العراق، وذلك في العهد الأموري الذي أسس دولة بابل الأولى التي كان من أشهر ملوكها حمورابي. وقد ولد سيدنا إبراهيم عليه السلام في بدايات القرن التاسع

عشر قبل الميلاد ـ على أقرب التواريخ للصحة ـ ونشأ في مدينة أور بابل الواقعة في القسم الجنوبي من العراق، فقد جاء في التوراة نص قريب من ذلك عن أصل نسب سيدنا إبراهيم عليه

السلام، يتوافق مع الدراسات النقدية وما أثبته علم الآثار، وهو: “آرامياً تائهاً كان أبي” (سفر التثنية: 56/5).

فقد بات معلوماً أنه: كان الأموريون في مبدأ الأمر في شمال سوريا، ثم أخذوا ينتشرون بعد ذلك في مناطقها الوسطى وعلى الشاطئ حتى وصلوا إلى فلسطين، وانتشروا نحو الشرق واستقروا في

مناطق ذات حضارة قديمة. وأسسوا دولة لعبت دوراً كبيراً في تاريخ العراق، ونشأت فيها أُسرة مدينة بابل حوالي عام 1894 ق.م، التي قدر لسادس ملوكها وهو الملك حمورابي الذي بدأ حكمه

عام 1728 ق.م أن يوحد البلاد كلها تحت سلطانه وأن ينشئ الإمبراطورية الشامية الثانية وأن يخضع له كل الدويلات الأخرى مثل دولة ماري ولارسا وعيلام ووصل جنوباً إلى (الخليج

الفارسي)[1]. كما هاجر الآراميون واستقرت قبائلهم في أعالي بلاد ما بين النهرين ومنطقة الفرات الأوسط وبلاد الشام وذلك في منتصف الألف الثاني ق.م، ومنهم قبيلة أقامت في جنوبي

العراق[2]. يقول بعض المؤرخين وعلماء الآثار أنه في تلك القبيلة ولد سيدنا إبراهيم عليه السلام نحو عام 1900 ـ 2000 ق.م.

كما إننا نجد أن التوراة تناقضت واختلفت في نسب سيدنا إبراهيم، فإنها أيضاً تناقضت واختلفت في إن كان هاجر هو ووالده من أور بابل أم وحده!  فقد جاء في التوراة: “وأخذ تارح إبرام ابنه…

من أور الكلدانيين ليذهبوا إلى أرض (كنعان)” (سفر التكوين: 11/31). وكما أن هذا النص يتعارض مع ما ذكرته الدراسات النقدية وما أثبته علم الآثار من أن اسم كلدية نسبة إلى قبيلة كلدية

العربية، التي هاجرت إلى جنوب العراق وأقامت فيها دولة بابل الثانية لم يظهر إلا في القرن الثامن قبل الميلاد، أي بعد مولد سيدنا إبراهيم بأكثر من ألف سنة، فإنه أيضاً يتناقض مع النص

التوراتي الذي يقول: “وقال الرب لإبرام: (اترك أرضك وعشيرتك وبيت أبيك واذهب إلى الأرض التي أريك)” (سفر التكوين: الإصحاح 12/1).

فأي النصين نُصدق؟! وأي النسبين نُصدق؟ وأي العهدين لنوح أيضاً تُصدق؟! ولكننا سنُصدق ما ذكره القرآن الكريم لأنه الأصدق.

لم يذكر القرآن الكريم أن سيدنا إبراهيم هاجر من بلاده ومعه أبيه، لأن أبيه لم يكن على دينه الذي دعا إليه قومه، حيث أن سيدنا إبراهيم عليه السلام دعا قومه إلى عبادة الله تعالى الواحد الأحد،

وإلى توحيد الخالق وترك عبادة الأصنام والأوثان والآلهة المتعددة التي كانوا يعبدونها، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾. (الأنعام: الآية

74). وعندما ضاق أبا سيدنا إبراهيم بدعوة ابنه له وعجز عن رده إلى عبادة الأصنام قال له: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً﴾. (مريم:46). وهذا دليلٌ

على عدم صحة النص الأول في التوراة وصحة النص الثاني، والتأكيد على أن إبراهيم هاجر من غير أبيه إلى أرض محددة، قال تعالى: ﴿ وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾. (

الأنبياء: الآيات من51ـ71).

ورد في تفسير هذه الآية عن ابن كثير والطبري والقرطبي وغيرهم: قالوا: عن الأرض التي بارك الله فيها للعالمين هي بلاد الشام. وما من ماء عذب إلا يهبط من السماء إلى الصخرة التي ببيت

المقدس، ثم يتفرّق في الأرض. وقيل لها مباركة لكثرة خصبها وثمارها وأنهارها؛ والبركة ثبوت الخير. وكان يُقال للشأم عماد دار الهجرة، وما نقص من الأرض زيد في بلاد الشام. وما نقص

من الشام زيد في فلسطين، وكان يقال هي أرض المحشر والمنشر. وقيل: بيت المقدس؛ لأن منها بعث الله أكثر الأنبياء لذلك قيل أنها معادن الأنبياء. وهي أيضاً كثيرة الخصب والنموّ، عذبة الماء.

وبها مـجمع الناس، وبها ينزل عيسى ابن مريـم، وبها يهلك الله شيخ الضلالة الكذّاب الدجال.

وقد هاجر سيدنا إبراهيم عليه السلام وزوجه (سارة) وابن أخيه (لوط) والعدد القليل الذي آمن معه من سواد العراق إلى فلسطين والشام ابتغاء إظهار الدين والتمكن من نشره. وساروا مع طريق

القوافل حتى وصلوا حران مدينة شمال الهلال الخصيب تقع على إحدى أفرع الفرات وإلى القرب من تل الخلف. وهي مدينة تجارية واقعة على طريق القوافل بين بابل وسواحل البحر المتوسط. وقد

مكث في حران فترة من الزمن ثم تركها ومن معه مهاجراً إلى فلسطين، وبعد عبور نهر الأردن واصل سيدنا إبراهيم سيره إلى فلسطين حتى نزل مدينة شكيم نابلس. ثم رحل عنها متنقلاً في

أرض فلسطين إلى أن استقر بع المقام في مدينة بئر السبع. أما سيدنا لوط فقد نزل قرية سدوم قرب البحر الميت.

وقد أقام إبراهيم وسط أبناء عمومته من القبائل العربية من سكان بئر السبع وفلسطين داعياً إلى الله تعالى. وقد قامت علاقة طيبة بينه وبين سكان البلاد الذين أحسنوا وفادته وضيافته لما رأوا

من حسن خلقه وصلاحه وكرمه. واستمرت إقامته إلى أن حلت المجاعة بأرض فلسطين فارتحل إبراهيم إلى مصر، ولم يطل به المقام هناك لِما أخبرتنا به كُتب السير مما حدث بينه وبين فرعون

مصر، فخرج منها عائداً إلى فلسطين بعد أن زوده فرعون مصر بالمال والماشية وجارية ـ قيل أنها أميرة من أميرات القصر أو أنها من الأسرة الحاكمة ولم تكن خادمة كما قال البعض، وقد

تكون صفة الجارية نقلها الكتاب عن التوراة ـ وهبها لزوجه (سارة) اسمها (هاجر). وبعد عودته إلى فلسطين استقر مرة أخرى في بئر السبع. وبعد فترة قصيرة تزوج إبراهيم من هاجر التي

أنجبت له إسماعيل عليه السلام، الذي حمله وأمه بعد أن غارت منها سارة عابراً الصحراء إلى مكة في الجزيرة العربية وأسكنهما هناك. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا

وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ. َربّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ

الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾. (إبراهيم: الآيات 35-37). قال المفسرون في مِن ذُرِّيَّتِي ولده إسماعيل وزوجه هاجر. وجاء في الحديث: أن

هاجر لما ولدت إسماعيل غارت منها سارة زوجة إبراهيم فأمره الله تعالى أن يحمل ولده إسماعيل مع أمه من الشام إلى مكة فوضعهما عند دوحة مكان زمزم… وقد أراد الله تعالى أن يكون

سيدنا إسماعيل سبباً في إعادة العلاقة والصلة بين أرض الحجاز وفلسطين.

وبعد أن رزق سيدنا إبراهيم بإسحاق (ولد إسحاق بعد سيدنا إسماعيل بأربعة عشر عاماً) من زوجه سارة، هاجر إلى الخليل ونزل وسط سكانها العرب وبعض الحثيين الذين كانوا يقيمون فيها

بصفة فردية وليسوا حكاماً أو ذوي سلطة، وقد كانت تسمى الخليل آنذاك بقرية أربع نسبة إلى أربع أحد حكامها وغالباً أنه هو الذي أقامها وبناها. وبقية القصة معروفة وليست موضوعنا، ولكن

نريد أن نلفت النظر إلى ما تبع تلك القصة من تقسيمات للعرب إلى عرب بائدة، وعرب عاربة، وعرب مستعربة؟!.

——————————————————————————–

[1] أحمد فخري، دراسات في تاريخ الشرق القديم، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، الطبعة الثانية، أُكتوبر 1963، ص34.

[2] عبد الحميد زايد، مرجع سابق، ص61.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: